محمد محمد أبو موسى
546
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يقول الزمخشري في بيان طريقة الكناية وأنها شعبة من شعب البلاغة وأن فائدتها الايجاز ، يقول في قوله تعالى : « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ » « 293 » : « فان قلت : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار اتيانهم بسورة من مثله ؟ قلت : انهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ، ولم ينقادوا ولم يشايعوا استوجبوا العقاب بالنار ، فقيل لهم : ان استبنتم العجز فاتركوا العناد ، فوضع « فَاتَّقُوا النَّارَ » موضعه لأن اتقاء العناد لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث إنه من نتائجه لأن من اتقى النار ترك المعاندة ، ونظيره أن يقول الملك لحشمه : ان أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي ، يريد : فأطيعونى واتبعوا أمرى وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط ، وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة ، وفائدته الايجاز الذي هو من حلية القرآن ، وبتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه ، وابرازه في صورته ، مستتبعا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها » « 294 » وهذا الكلام يفيد أن الانتقال في الكناية من الملزوم إلى اللازم ، لأن اتقاء النار هو المذكور والمراد به ترك المعاندة ، وترك المعاندة لازم لاتقاء النار . ويقول في قوله تعالى : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ » « 295 » : « فان قلت : قد تبين أمر الهمزة وأنها لانكار الفعل ، والايذان باستحالته في نفسه ، أو لقوة الصارف عنه ، فما تقول في « كيف » حيث كان انكارا للحال التي يقع عليها كفرهم ؟ قلت : حال الشيء تابعة لذاته ، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال ، فكان انكار حال الكفر لأنها تبيع ذات الكفر ، ورديفها انكارا لذات
--> ( 293 ) البقرة : 24 ( 294 ) الكشاف ج 1 ص 77 ( 295 ) البقرة : 28